عثمان بن جني ( ابن جني )
261
الخصائص
* قلنا لها قفى لنا قالت قاف " 1 " * لو نقل إلينا هذا الشاعر شيئا آخر من جملة الحال فقال مع قوله " قالت قاف " : ( وأمسكت بزمام بعيرها ) ، أو ( عاجته علينا ) لكان أبين لما كانوا عليه ، وأدلّ على أنها أرادت : وقفت ، أو توقّفت ، دون أن يظنّ أنها أرادت : قفى لنا ! أي يقول لي : قفى لنا ! متعجّبة منه . وهو إذا شاهدها وقد وقفت علم أن قولها ( قاف ) إجابة له ، لا ردّ لقوله وتعجّب منه في قوله " قفى لنا " . وبعد فالحمّالون والحمّاميّون ، والساسة ، والوقّادون ، ومن يليهم ويعتدّ منهم ، يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا يحصّله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أخبر به عنه ، ولم يحضره ينشده . أولا تعلم أن الإنسان إذا عناه أمر فأراد أن يخاطب به صاحبه ، وينعم تصويره له في نفسه استعطفه ليقبل عليه ؛ فيقول له : يا فلان ، أين أنت ، أرني وجهك ، أقبل علىّ أحدّثك ، أما أنت حاضر يا هناه . فإذا أقبل عليه ، وأصغى إليه ، اندفع يحدّثه أو يأمره أو ينهاه ، أو نحو ذلك . فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين ، مجزئا عنه لما تكلّف القائل ، ولا كلّف صاحبه الإقبال عليه ، والإصغاء إليه . وعلى ذلك قال : العين تبدى الذي في نفس صاحبها * من العداوة أو ودّ إذا كانا " 2 " وقال الهذلىّ : رفونى وقالوا : يا خويلد لا ترع * فقلت - وأنكرت الوجوه - : هم هم " 3 "
--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في اللسان ( وقف ) والتهذيب 15 / 679 ، والتاج ( سين ) . رفونى : سكّنونى . وقال ابن هانئ يريد رفئونى ، فألقى الهمزة . ومعناه أنى فزعت فطار قلبي فضموا بعضي إلى بعض . وانظر اللسان ( رفأ ، رفو ) . ( 2 ) البيت في بيان الجاحظ بتحقيق الأستاذ هارون 1 / 79 . وقبله : والعين تنطق ، والأفواه صامتة * حتى ترى من ضمير القلب تبيانا ( نجار ) . ( 3 ) البيت له في خزانة الأدب 1 / 440 ، 442 ، 5 / 86 ، وشرح أشعار الهذليين 3 / 337 ، والصاحبى في فقه اللغة ص 183 ، ولسان العرب ( رفأ ) ، ( روع ) ، ( رفا ) ، ( ها ) ، والمعاني الكبير ص 902 ، وللهذلى دون تحديد في إصلاح المنطق ص 153 ، وأمالي المرتضى 1 / 350 ، وتذكرة النحاة ص 571 ، وبلا نسبة في الاشتقاق ص 488 ، وجمهرة اللغة ص 788 .